لطالما شكّلت القصائد تقليدًا عريقًا في شبه الجزيرة العربية لما لا يقل عن 1500 عام. وتُتيح اللغة العربية مجالًا واسعًا للتعبير الشعري بفضل مفرداتها الغنية، وبنيتها الإيقاعية، ومرونتها.

يلجأ المهمشين، وهم فئة مهمشة تاريخيًا في اليمن، إلى الشعر غالبًا كمصدر للصمود، والتعبير عن الذات، والراحة. فمن خلال الشعر، يوثقون تجاربهم مع التمييز، ويؤكدون في الوقت نفسه على كرامتهم، وهويتهم المشتركة، وأملهم.

أحيانًا يكتبون الشعر لأنفسهم فقط، وأحيانًا أخرى يُقصد به مشاركته في تجمع أو عبر تطبيق واتساب.

قد تتخذ القصيدة شكل رثاء عفوي، أو قد تُصقل بعناية مع مرور الوقت. غالبًا ما يُحرم شعر المهمشين وغيره من الفنون من الاعتراف الرسمي، ولكن هذه مساحةٌ تُتيح لهم فرصة الاستمتاع بقصائدهم.

صوتنا

قصصنا

A group of muhamasheen children smiling together under the warm Yemeni sun, their faces bright with hope.
A group of muhamasheen children smiling together under the warm Yemeni sun, their faces bright with hope.

"حادثتان من طفولة شخصٍ مُهمَّش

لا يهدف هذا السرد إلى توجيه اتهام شخصي لأي أحد، بل يرمي إلى وصف تجربةٍ عاشها صاحبها في ظل التهميش، وكيف أثّرت تلك التجربة في صياغة فهم الطفل لمفاهيم الكرامة والإنسانية.

لقد اخترقت طفولتي حادثتان عنصريتان؛ وكان لهما أثرٌ حاسمٌ في تشكيل ملامح شخصيتي. حادثتان لا تزالان عالقتين في ذاكرتي بكل تفاصيلهما الدقيقة، والمُرهِقة، والمؤلمة، رغم مرور سنواتٍ طوال على وقوعهما.

لم أكن أتجاوز الخامسة من عمري حين بدأتُ أتجرّع مرارة الإهانة العنصرية بكل ما تحمله من خزيٍ أخلاقي—وذلك بطريقةٍ مباشرة، وواقعية، وفورية. كنتُ حينها طفلاً يرافق والدته إلى حفل زفافٍ أُقيم في مدينة "التربة". كان حفل الزفاف يُقام في منزلِ شيخٍ قبليٍ مسنٍ يُدعى ***؛ وهو رجلٌ كان يحظى باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين من الجميع—سواءً من السود أو البيض على حدٍ سواء—وذلك لما عُرف عنه من طيبة قلب، ورقة طبع، وتواضعٍ جمٍ مع كل من حوله.

كانت والدتي واحدةً من ثلاث أو أربع مغنياتٍ مُهمَّشات، انهمكن في إضفاء الحيوية والبهجة على قسم النساء في الحفل، وذلك عبر أداء الغناء الشعبي التقليدي المعروف باسم "الشرح"—الذي عادةً ما يكون مصحوباً بإيقاعات "المرفأ" و"الدف".

وفي خضم تلك الأجواء الصاخبة والمكتظة في قسم النساء، اضطررتُ للوقوف عند طرف الغرفة—وبالتحديد عند الباب الرئيسي لغرفة الرقص والغناء—الذي كان يُفضي إلى فناء المنزل (الحوش). وكان هذا الفناء يضم أيضاً الممر المؤدي إلى الطابق العلوي، حيث كان الضيوف من رجال القبيلة مجتمعين في مجلس "المقيل" المعتاد لمثل هذه المناسبات.

وفي لحظةٍ ما، وبينما كنتُ واقفاً بالقرب من باب قسم النساء، لمحتُ أحد الضيوف من رجال القبيلة وهو ينزل السلالم مغادراً المكان. فبادرتُ—بشكلٍ غريزي—إلى إغلاق الباب صوناً لحشمة وكرامة نساء القبيلة ("سيدات القبيلة")، لكي لا تقع أنظاره عليهن وهن يرتدين ملابسَ كاشفة ويضعن مساحيق تجميلٍ كثيفة، كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات. غير أن مزلاج الباب انغلق—دون قصدٍ مني—على يدِ طفلٍ من أبناء القبيلة كان يرافق والدته. ورغم أن الطفل لم يُصب بأي أذىً جسدي يُذكر، إلا أنه شرع في الصراخ والعويل. وحينها... والدته اندفعت نحوي كالمجنونة، وشرعت تنهال عليَّ بالضرب الوحشي دون أن تكلف نفسها عناء السؤال عما حدث. وظلت تضربني بكلتا يديها على ظهري ووجهي بقسوة غير مألوفة، وهي تصرخ بصوتٍ متعجرفٍ وهيستيري، مرددةً: "الخادم يضرب سيده! الخادم يضرب سيده!" حدث هذا المشهد أمام عيني أمي وقريباتي المُهمَّشات مباشرةً؛ وهن اللواتي لم يحاولن حمايتي منها، ولم ينبسن بكلمة واحدة، حتى توقفت تلك المرأة عن ضربي من تلقاء نفسها، بعد أن أطفأت غليل انتقامها. كل هذا حدث، رغم أن فعلي المتمثل في إغلاق الباب كان نابعاً خالصاً من حرصي على ألا يرى ذلك الرجل القبلي العابر عورتها، أو عورات الضيفات الأخريات من صنفها (النساء القبليات).

- - -

وقعت الحادثة الثانية بعد بضعة أيام فقط، على يد امرأة مسنة تُدعى ***، في القرية ذاتها — وتحديداً في منطقة "حصبرا". كانت قد طلبت مني أن أحضر لها الماء من بركتها الخاصة (حوض الماء) الكائن في فناء المنزل، لأنقله صعوداً إلى الحمامات في الطابق العلوي. وبما أنني كنت طفلاً في الخامسة من عمري، فإن حمل "جالون" ماء بسعة خمسة لترات كان يشكل عبئاً جسدياً ثقيلاً عليّ، مما أبطأ حركتي وحال دون إنجازي للمهمة بالسرعة التي كانت ترغب فيها.

وبينما كنت أحمل الماء، اعترض طريقي فجأة شقيق صاحب المنزل، المدعو ***. فاستدعى والدي في نوبة من الغضب الشديد، استناداً إلى اتهامات ساقتها شقيقته *** — زاعمةً أنني قد أهنتها وقللت من شأنها أثناء حديثي معها. والحقيقة هي أن شيئاً من ذلك لم يحدث على الإطلاق؛ وأقسم على ذلك بدموع أطفال "بيوت الصفيح"، وبصرخات الأمهات الثكلى ذوات البشرة السمراء.

وهكذا، جرّدني والدي من ثيابي أمامهم في وسط الفناء، على مرأى ومسمع من القرية بأسرها، وأمطرني بوابل من الضربات بعصا غليظة (أو "صامول"، إن شئت التسمية) وبأسلوب وحشي، حتى ارتضوا هم — أي المرأة وشقيقها — وكفّوا عن طلب المزيد، بعد أن تورّم جسدي من شدة الضرب. لم تكن لصرخاتي، ولا لدموعي، ولا لتكذيبي للاتهامات، ولا لتوسلاتي أي معنى أو قيمة تُذكر على الإطلاق؛ فالرجل القبلي هو دائماً صاحب الحق.

وكما أنه لم يكن لوالدي خيار آخر أيضاً، بطبيعة الحال. فذلك الضرب المفرط الذي كالَه لي بتلك القسوة والوحشية — والذي تركني عاجزاً عن الحراك لعدة أيام — كان، من وجهة نظره الشخصية، هو التصرف المنطقي والصحيح، سواء كنت مذنباً أم بريئاً. لقد أقدم على ذلك الفعل حفاظاً على علاقته التي تشبه علاقة العبيد بأسياده القبليين؛ أولئك الذين كان يعتبرهم جزءاً من الـ... الدائمين. ...ومصادر رزق شحيحة له ولأبنائه. وفي ذلك الوقت، لم أكن قد التحقت بعدُ حتى بالصف الأول من المرحلة الابتدائية.

واليوم، وبعد مرور سنوات عديدة على وقوع هذين الحادثين، لا يزال ذلك النظام الاجتماعي العنصري ذاته —المتوارث والمفعم بالكراهية—"